الاثنين، 1 أغسطس 2016

قصة موسي عليه السلام انفلاق البحر....

قصة موسي عليه السلام .. ( الجزء السادس )
خروج بني إسرائيل من مصر وهلاك فرعون :
بدا واضحا أن فرعون لن يؤمن لموسى ، ولن يكف عن تعذيبه لبني إسرائيل ، ولن يكف عن استخفافه بقومه ، هنالك دعا موسى وهارون على فرعون .
(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)[1]
لم يكن قد آمن مع موسى فريق من قومه ، فانتهى الأمر ، وأوحي إلى موسى أن يخرج من مصر مع بني إسرائيل ، وأن يكون رحيلهم ليلا ، بعد تدبير وتنظيم لأمرالرحيل ، ونبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده ، وأمره أن يقوم قومه إلى ساحل البحر (وهو في الغالب عند التقاء خليج السويس بمنطقة البحيرات) .
وبلغت الأخبار فرعون أن موسى قد صحب قومه وخرج فأرسل أوامره في مدن المملكة لحشد جيش عظيم ليدرك موسى وقومه ويفسد عليهم تدبيرهم أعلن فرعون التعبئة العامة وهذا من شأنه أن يشكل صورة في الأذهان أن موسى وقومه يشكلون خطرا على فرعون وملكه فكيف يكون إلها من يخشى فئة صغيرا يعبدون إله آخر لذلك كان لابد من تهوين الأمر وذلك بتقليل شأن قوم موسى وحجمهم (إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْ ذِمَةٌ قَلِيلُونَ)[2]لكننا نطاردهم لأنهم أغاظونا، وعلى أي حال فنحن حذرون مستعدون ممسكون بزمام الأمور .
وقف موسى أمام البحر ، وبدا جيش الفرعون يقترب ، وظهرت أعلامه ، وامتلأ قوم موسى بالرعب ، كان الموقف حرجا وخطيرا ، إن البحر أمامهم والعدو ورائهم وليس معهم سفن أو أدوات لعبور البحر ، كما ليست أمامهم فرصة واحدة للقتال ، إنهم مجموعة من النساء والأطفال والرجال غير المسلحين ، سيذبحهم فرعون عن آخرهم .
صرخت بعض الأصوات من قوم موسى : سيدركنا فرعون .
قال موسى : (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)[3].
لم يكن يدري موسى كيف ستكون النجاة لكن قلبه كان ممتلئا بالثقة بربه واليقين بعونه والتأكد من النجاة فالله هو الذي يوجهه ويرعاه وفي اللحظة الأخيرة ، يجيء الوحي من الله (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ)[4]فضربه ، فوقعت المعجزة (فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)[5]وتحققه المستحيل في منطق الناس ، لكن الله إن أراد شيئا قال له كن فيكون ، ووصل فرعون إلى البحر شاهد هذه المعجزة شاهد في البحر طريقا يابسا يشقه نصفين فأمر جيشه بالتقدم وحين انتهى موسى من عبور البحر وأوحى الله إلى موسى أن يترك البحر على حاله
(وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ)[6]وكان الله تعالى قد شاء إغراق الفرعون فما أن صار فرعون وجنوده في منتصف البحر حتى أصدر الله أمره فانطبقت الأمواج على فرعون وجيشه وغرق فرعون وجيشه. غرق العناد ونجا الإيمان بالله، ولما عاين فرعون الغرق، ولم يعد يملك النجاة (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[7]سقطت عنه كل الأقنعة الزائفة، وتضائل، فلم يكتفي بأن يعلن إيمانه، بعد أن سبق العصيان والاستكبار ( آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )[8].
انتهى وقت التوبة المحدد لك وهلكت ، انتهى الأمر ولا نجاة لك ، سينجو جسدك وحده ، لن تأكله الأسماك ، ولن يحمله التيار بعيدا عن الناس ، بل سينجو جسدك لتكون آية لمن خلفك .
(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)[9] أسدل الستار على طغيان الفرعون ، ولفظت الأمواج جثته إلى الشاطئ ، بعد ذلك ، نزل الستار تماما عن المصريين ، لقد خرجوا يتبعون خطا موسى وقومه ويقفون أثرهم ، فكان خروجهم هذا هو الأخير
وكان إخراجا لهم من كل ما هم فيه من جنات وعيون وكنوز ، فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم لا يحدثنا القرآن الكريم عما فعله من بقى من المصريين في مصر بعد سقوط نظام الفرعون وغرقه مع جيشه.
لا يحدثنا عن ردود فعلهم بعد أن دمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يشيدون ، يسكت السياق القرآني عنهم ، ويستبعدهم تماما من التاريخ والأحداث .
نفسية بني إسرائيل الذليلة :
لقد مات فرعون مصر ، غرق أمام عيون المصريين وبني إسرائيل ، ورغم موته ، فقد ظل أثره باقيا في نفوس المصريين وبني إسرائيل ، من الصعب على سنوات القهر الطويلة والذل المكثف أن تمر على نفوس الناس مرور الكرام ، لقد عوّد فرعون بني إسرائيل الذل لغير الله ، هزم أرواحهم وأفسد فطرتهم فعذبوا موسى عذابا شديدا بالعناد والجهل .
كانت معجزة شق البحر لم تزل طرية في أذهانهم ، حين مروا على قوم يعبدون الأصنام ، وبدلا من أن يظهروا استيائهم لهذا الظلم للعقل ، ويحمدوا الله أن هداهم للإيمان ، بدلا من ذلك التفتوا إلى موسى وطلبوا منه أن يجعل لهم إلها يعبدونه مثل هؤلاء الناس .
أدركتهم الغيرة لمرأى الأصنام ، ورغبوا في مثلها ، وعاودهم الحنين لأيام الشرك القديمة التي عاشوها في ظل فرعون ، واستلفتهم موسى إلى جهلهم هذا ، وبيّن لهم أن عمل هؤلاء باطل ، وأن الله فضل بني إسرائيل على العالمين فكيف يجحد هذا التفضيل ويجعللهم صنما يعبدونه من دون الله ، ثم ذكّرهم بفرعون وعذابه لهم ، وكيف أن الله نجاهم منه ، فكيف بعد ذلك يشركون بالله مالا يضر ولا ينفع .
موعد موسى لملاقاة ربه :
انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى عليه السلام ، وهي تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والتعذيب على يد فرعون وجنده ، والسير بهم إلى الديار المقدسة ، لكن القوم لم يكونوا على استعداد للمهمة الكبرى ، مهمة الخلافة في الأرض بدين الله ، وكان الاختبار الأول أكبر دليل على ذلك ، فما أن رأوا قوما يعبدون صنما ، حتى اهتزت عقيدة التوحيد في نفوسهم ، وطلبوا من موسى أن يجعل لهم وثنا يعبدوه .
فكان لا بد من رسالة مفصلة لتربية هذه الأمة وإعدادها لما هم مقبلون عليه ، من أجل هذه الرسالة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه . وكانت هذه المواعدة إعداد لنفس موسى ليتهيأ للموقف الهائل العظيم فاستخلف في قومه أخاه هارون عليه السلام .
كانت فترةالإعداد ثلاثين ليلة ، أضيف إليها عشر ، فبلغت عدتها أربعين ليلة ، يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود ، وينعزل فيها عن شواغل الأرض ، فتصفو روحه وتتقوى عزيمته .
كان موسى بصومه أربعين ليلة يقترب من ربه أكثر ، وكان موسى بتكليم الله له يزداد حبا في ربه أكثر ، فطلب موسى أن يرى الله ، ونحن لا نعرف أي مشاعر كانت تجيش في قلب موسى عليه الصلاة والسلام حين سأل ربه الرؤية ، أحيانا كثيرة يدفع الحب البشري الناس إلى طلب المستحيل ، فما بالك بالحب الإلهي ، وهو أصل الحب إنعمق إحساس موسى بربه ، وحبه لخالقه ، واندفاعه الذي لم يزل يميز شخصيته .
دفعه هذا كله إلى أن يسأل الله الرؤية .
وجاءه رد الحق عز وجل : (قَالَ لَن تَرَانِي)[1]
ولو أن الله تبارك وتعالى قالها ولم يزد عليها شيئا ، لكان هذا عدلا منه سبحانه ، غير أن الموقف هنا موقف حب إلهي من جانب موسى ، موقف اندفاع يبرره الحب ولهذا أدركت رحمة الله تعالى موسى ، أفهمه أنه لن يراه ، لأن أحدا من الخلق لا يصمد لنور الله ، أمره أن ينظر إلى الجبل ، فإن استقر مكانه فسوف يراه .
قال تعالى : (وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً)[2] ، لا يصمد لنور الله أحد ، فدكّ الجبل ، وصار مسوّى في الأرض ، وسقط موسى مغشيا عليه غائبا عن وعيه ، فلما أفاق قال سبحانك تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك ، وتبت إليك عن تجاوزني للمدى في سؤالك! وأنا أول المؤمنين بك وبعظمتك .
ثم تتداركه رحمة ربه من جديد ، فيتلقى موسى عليه السلام البشرى ، بشرى الاصطفاء ، مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص ن قال تعالى : (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ)[3]

0 التعليقات: